جلال الدين السيوطي

158

الإتقان في علوم القرآن

قال الزمخشريّ « 1 » : وفائدته في هذه الآيات وأمثالها التنبيه على التخصيص بالقدرة ، وأنه لا يدخل تحت قدرة أحد . ومثاله من الغيبة إلى الخطاب : وَقالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ وَلَداً ( 88 ) لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدًّا ( 89 ) [ مريم : 88 ، 89 ] . أَ لَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ ما لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ [ الأنعام : 6 ] . وَسَقاهُمْ رَبُّهُمْ شَراباً طَهُوراً إِنَّ هذا كانَ لَكُمْ جَزاءً [ الإنسان : 21 ، 22 ] ، إِنْ أَرادَ النَّبِيُّ أَنْ يَسْتَنْكِحَها خالِصَةً لَكَ [ الأحزاب : 50 ] . ومن محاسنه ما وقع في سورة الفاتحة : فإنّ العبد إذا ذكر اللّه تعالى وحده ، ثم ذكر صفاته التي كل صفة منها تبعث على شدة الإقبال ، وآخرها : مالِكِ يَوْمِ الدِّينِ ( 4 ) المفيد أنه مالك الأمر كله في يوم الجزاء ، يجد من نفسه حاملا لا يقدر على دفعه على خطاب من هذا صفاته : بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات . وقيل : إنما اختير لفظ الغيبة للحمد ، وللعبادة الخطاب ، للإشارة إلى أنّ الحمد دون العبادة في الرتبة ؛ لأنك تحمد نظيرك ولا تعبده ، فاستعمل لفظ ( الحمد ) مع الغيبة ، ولفظ ( العبادة ) مع الخطاب ، لينسب إلى العظيم حال المخاطبة والمواجهة ما هو أعلى رتبة ، وذلك على طريقة التأدّب . وعلى نحو من ذلك جاء آخر السورة فقال : الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ مصرّحا بذكر المنعم وإسناد الإنعام إليه لفظا ، ولم يقل : ( صراط المنعم عليهم ) فلمّا صار إلى ذكر الغضب زوى عنه لفظه ، فلم ينسبه إليه لفظا ، وجاء باللفظ منحرفا عن ذكر الغاضب ، فلم يقل : ( غير الذين غضبت عليهم ) تفاديا عن نسبة الغضب إليه في اللّفظ حال المواجهة . وقيل : لأنه لمّا ذكر الحقيق بالحمد ، وأجرى عليه الصفات العظيمة - من كونه ربا للعالمين ورحمانا ورحيما ومالكا ليوم الدين - تعلّق العلم بمعلوم عظيم الشأن ، حقيق بأن يكون معبودا دون غيره ، مستعانا به ، فخوطب بذلك لتميّزه بالصفات المذكورة تعظيما لشأنه ؛ حتى كأنه قيل : إيّاك يا من هذه صفاته نخصّ بالعبادة والاستعانة ، لا غيرك . قيل : ومن لطائفه التنبيه على أنّ مبتدأ الخلق الغيبة منهم عنه سبحانه وتعالى ، وقصورهم عن محاضرته ومخاطبته ، وقيام حجاب العظمة عليهم ؛ فإذا عرفوه بما هو له ، وتوسّلوا للقرب بالثناء عليه ، وأقرّوا بالمحامد له وتعبّدوا له بما يليق بهم ، تأهّلوا لمخاطباته

--> ( 1 ) الكشاف 2 / 437 و 3 / 53 .